
منذ سنوات، يعلَق ملف النساء والأطفال اللبنانيين المحتجزين في مخيم الهول في مساحة رمادية بين الصمت والإهمال. ولم يعد ما يواجهونه مجرد أزمة إنسانية طارئة، بل انتهاكًا مستمرًا للحقوق يختبر التزام الدولة اللبنانية بمسؤولياتها تجاه مواطنيها.
مخيم الهول ليس مجرد مكان. إنه فضاء تُعلَّق فيه الطفولة، وتُفرغ فيه الحقوق من مضمونها. آلاف النساء والأطفال يعيشون منذ سنوات في ظروف وصفتها منظمات دولية بأنها مهينة وغير آمنة. وبينهم عدد محدود من اللبنانيات وأطفالهن، لا يخضع احتجازهم لأي مسار قضائي واضح، بل لغياب القرار السياسي.
والمفارقة أن هذا الملف، رغم حساسيته، هو من أبسط الملفات من حيث الحجم والتعقيد. العدد معروف، الهويات مثبتة، والجنسية غير محل نزاع. ومع ذلك، بقيت عودتهم معلّقة.
في الأشهر الأخيرة، بدأ هذا الصمت يتصدّع.
خلال اجتماع مع رئيس الحكومة القاضي نواف سلام، شاركتُ فيه شخصيًا بصفتي عضوًا في الائتلاف اللبناني من أجل السيادة والعدالة الانتقالية، جرى تناول ملف النساء والأطفال اللبنانيين في مخيم الهول من زاوية مسؤولية الدولة وواجبها الدستوري تجاه مواطنيها. وقد أظهر رئيس الحكومة وعيًا واضحًا لخطورة القضية، وانفتاحًا على مقاربتها كمسألة حقوقية بامتياز. كما عكس النقاش إدراكًا مفاده أن السيادة لا تُختزل بممارسة السلطة الشكلية، بل تتجسّد في قدرة الدولة على حماية مواطنيها خارج حدودها عندما تكون حقوقهم الأساسية عرضة لانتهاك طويل الأمد.
إلا أن هذا الانفتاح لم يُترجم بعد إلى خطوات تنفيذية حاسمة.
فعلى مستوى المؤسسات، لا يزال الملف يصطدم بـ تداخل الصلاحيات، والتردد الإداري، وغياب قرار جامع، ما أتاح لبعض الجهات الرسمية الاستمرار في الامتناع عن التعاون. وهكذا، تحوّل ملف إنساني قابل للحل إلى حالة انتهاك مزمن للحقوق بفعل التعطيل لا العجز.
في هذا الفراغ، برز دور المدافعين عن حقوق الإنسان.
لعب المحامي محمد صبلوح دورًا محوريًا في نقل القضية من الإطار المحلي إلى الساحة الدولية. فإلى جانب متابعته القانونية داخل لبنان، قام مؤخرًا بزيارة إلى جنيف، حيث عقد سلسلة لقاءات مع مقرّرين خاصين تابعين للأمم المتحدة وآليات دولية معنية بحقوق الإنسان. وتركزت هذه الاجتماعات على الطابع التعسفي لاحتجاز النساء والأطفال اللبنانيين في مخيم الهول، وعلى التزامات الدولة اللبنانية بموجب القانون الدولي، وعلى ضرورة تفعيل أطر الحماية الدولية في ظل تعثّر الحلول الداخلية.
وقد أسهمت هذه اللقاءات في إدراج القضية ضمن اهتمامات أممية أوسع، تشمل الاحتجاز التعسفي، حقوق الطفل، الإخفاء القسري، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان. وبذلك، لم تعد القضية مجرد نداء إنساني، بل أصبحت ملفًا ذا بعد قانوني دولي يستدعي المتابعة والمساءلة.
ويوازي هذا التحرك الدولي واقع ميداني واضح: فقد أكدت الجهات الكردية المشرفة على المخيم مرارًا استعدادها للتعاون وتسليم المحتجزات فور تلقي طلب رسمي واضح من الدولة اللبنانية. ما يعني أن العائق ليس خارجيًا، بل داخلي بالدرجة الأولى.
من الناحية القانونية، الالتزامات واضحة. فالقانون الدولي يفرض على الدول إعادة مواطنيها من حالات الاحتجاز التعسفي، لا سيما النساء والأطفال. ومن منظور العدالة الانتقالية، فإن هؤلاء يُعدّون ضحايا نزاع وإهمال مؤسسي، لا أطرافًا في الجريمة. والعدالة تبدأ بإعادتهم وتأهيلهم وإعادة إدماجهم، لا بتركهم في العزل والنسيان.
في مقابلة مع الأخصائية الاجتماعية نهلة بارودي، تعمل مع حالات صدمة وعنف ونزوح وإعادة الدمج، أوضحت أن النساء والأطفال العائدين من مخيم الهول غالبًا ما يواجهون “أثر صدمات مركّبة” ناتجة عن العيش الطويل في بيئة حرمان وعدم استقرار وخوف دائم، ما قد ينعكس بـ اضطرابات النوم وكوابيس، قلق شديد، نوبات هلع، تشتّت انتباه، صعوبات تعلّم، سلوكيات انسحابية أو عدوانية عند بعض الأطفال، إضافة إلى شعور بالوصمة وانعدام الأمان لدى الأمهات. وأضافت: “الأولوية عند العودة إلى لبنان هي الاستقبال الآمن والإنساني بلا تشهير، ثم إجراء تقييم نفسي-اجتماعي فردي لكل حالة، ووضع خطة دعم تشمل علاجًا نفسيًا متخصصًا موجّهًا للصدمة، دعمًا للأمهات في مهارات التربية تحت الضغط، وإعادة دمج الأطفال تدريجيًا في التعليم ضمن بيئة مدرسية مهيّأة. كما يجب توفير متابعة صحية، ودعم قانوني واجتماعي، وإشراك العائلة في خطة الرعاية، لأن إعادة الاندماج ليست لحظة واحدة بل مسار يحتاج حماية واستمرارية. الأهم هو بناء شبكة حماية مجتمعية تقلّل الوصمة وتمنح هؤلاء فرصة حقيقية لاستعادة حياتهم وكرامتهم.”
ما هو مطروح اليوم يتجاوز هذا الملف بحد ذاته. إنه اختبار لقدرة الدولة على ترجمة الالتزامات المعلنة إلى فعل منسّق، وعلى مواجهة التعطيل المؤسسي، وعلى استبدال الشلل الإداري بالمساءلة.
الخطوات المطلوبة واضحة ولا تحتاج إلى اجتهاد:
قرار رسمي بالإعادة، تنسيق حكومي فعّال، خطة استقبال إنسانية، ومراجعة شفافة لمسار التقصير السابق. وكل يوم تأخير لا يزيد فقط من معاناة النساء والأطفال، بل يراكم خسارة الثقة بالمؤسسات.
إن إعادة اللبنانيات والأطفال من مخيم الهول لن تكون مجرد إنهاء لملف عالق، بل رسالة بأن الدولة اللبنانية قادرة على ممارسة سيادتها كسلطة تحمي الحقوق، وتواجه التعطيل، وتدرك أن الكرامة المؤجَّلة هي كرامة منتهكة.