...

Anahon

النزوح حين يغيب أفق العودة

الكاتبة

تم النشر بتاريخ

النزوح حين يغيب أفق العودة

إعداد: ميساء الرز

من الاستقبال إلى الاستمرار

لم يعد النزوح في لبنان ملفًا طارئًا يمكن التعامل معه كاستجابة قصيرة المدى. فمع استمرار الحرب، وتضرر عدد كبير من المنازل، وتعذر العودة بالنسبة إلى عدد من العائلات، باتت الأزمة تتخذ طابعًا ممتدًا يرتبط مباشرة بالقدرة على الاستمرار في أماكن الإيواء، وبمستوى توفر الاحتياجات الأساسية، وبمدى الجهوزية للتعامل مع هذا الواقع الإنساني المتواصل.

في التحديث الميداني الذي قدّمه عمر الأبيض، الشريك المؤسس في مبادرة “أهالي المدينة” الداعمة للنازحين في مراكز الإيواء، تظهر المشكلة الأساسية في نقطة واضحة: الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بوصول العائلات إلى أماكن الإيواء، بل بغياب أفق واضح لدى كثيرين للعودة إلى منازلهم. فهناك من فقدوا بيوتهم، وهناك من تعذّرت عودتهم إلى مناطقهم، ما يجعل النزوح وضعًا مفتوحًا على المدى المتوسط، لا مجرد انتقال مؤقت بسبب التصعيد.

احتياجات يومية تتجاوز السكن

تُظهر المعطيات الميدانية أن النزوح لا يقتصر على الحاجة إلى مكان آمن فقط، بل يرتبط أيضًا بمجموعة من المتطلبات اليومية التي تصبح أكثر إلحاحًا مع طول مدة الإقامة. فإلى جانب الحاجة إلى الغذاء، تبرز مواد التنظيف الشخصية والعامة كجزء أساسي من شروط العيش داخل المساحات المشتركة.

وبحسب التحديث نفسه، فإن محدودية الوجبات المقدمة تدفع بعض العائلات إلى تأمين جزء من احتياجاتها الغذائية على نفقتها، فيما تبقى مواد مثل معجون الأسنان والشامبو والصابون ومواد الغسيل والجلي من بين الحاجات المستمرة داخل المراكز. وهذا يعني أن التحدي لا يرتبط فقط بالإيواء، بل بشروط الإقامة نفسها، وبقدرة العائلات على الاستمرار في ظل موارد محدودة.

أرقام تعكس حجم الضغط

وفق المعطيات التي نقلها الأبيض، يوجد في مراكز الإيواء في طرابلس 531 عائلة، تضم 2203 أشخاص.

وتكتسب هذه الأرقام دلالتها من كونها تعكس حجم الضغط المتراكم على المراكز، وعلى المبادرات المحلية والجهات التي تتابع أوضاع العائلات وتحاول الاستجابة لاحتياجاتها الأساسية.

ولا تعبّر هذه الأرقام فقط عن عدد الموجودين في المراكز، بل عن واقع أوسع يتمثل في تزايد العبء الإنساني كلما استمرت الحرب، وتراجعت فرص العودة السريعة، وازدادت الحاجة إلى إدارة أكثر استقرارًا للغذاء والمواد الأساسية والخدمات اليومية.

الخطاب العام ومسؤولية التهدئة

في موازاة الجانب الإنساني، تبرز أهمية الخطاب العام في طريقة التعامل مع ملف النزوح. ففي حلقة “حكي تغيير” مع الشيخ بلال بارودي، برز هذا البعد من خلال التشديد على استقبال النازحين ضمن إطار أخلاقي واجتماعي يخفف التوتر، ويرفض الشماتة بالمدنيين أو استخدام لغة تؤدي إلى الاستفزاز والانقسام.

وقد ركزت الحلقة على فكرة أساسية مفادها أن التعامل مع النازحين لا يجب أن يُبنى على ردود فعل سياسية أو انفعالية، بل على وعيٍ يحفظ كرامة الناس ويمنع توسيع الشرخ داخل المجتمع. كما طُرح بوضوح الفرق بين الخطاب الذي يرفع مستوى التحذير من الخطر، والخطاب الذي يدفع الناس إلى التصادم، وهو تمييز يكتسب أهمية خاصة في ظل ظروف الحرب والنزوح.

وتكمن أهمية هذه المقاربة في أنها تربط بين الاستجابة الإنسانية وطبيعة اللغة المستخدمة في تناول الملف. فحين يكون النزوح جزءًا من أزمة مفتوحة، يصبح الخطاب الهادئ والمسؤول عنصرًا مساعدًا في حماية السلم الاجتماعي، وفي إبقاء التركيز على احتياجات العائلات النازحة بدل تحويل الملف إلى مادة إضافية للانقسام.

سياق أوسع للأزمة

يأتي هذا الواقع في ظل الحرب القائمة وما تفرضه من موجات نزوح مستمرة وضغط متزايد على المدنيين. ومع كل تصعيد جديد، ترتفع الحاجة إلى موارد إضافية وإلى قدرة أكبر على الاستجابة. وفي هذا المعنى، لا يبدو النزوح نتيجة جانبية للحرب بقدر ما أصبح أحد أبرز وجوهها الإنسانية المباشرة.

وفي الوقت نفسه، يتأثر هذا الملف بالبيئة الداخلية المنقسمة في لبنان، لكن هذا البعد يبقى في مرتبة تالية أمام الأولوية الأساسية: حماية العائلات النازحة وتأمين الحد الأدنى من شروط العيش داخل مراكز الإيواء. فكلما طال أمد الحرب، ازداد التحدي المتعلق بتحويل الاستجابة من منطق الطوارئ إلى منطق الإدارة المستمرة للأزمة.

في المحصلة، يوضح تحديث عمر الأبيض، إلى جانب ما طُرح في حلقة “حكي تغيير”، أن التحدي لم يعد يقتصر على استقبال النازحين، بل بات يرتبط بكيفية إدارة مرحلة ممتدة من الإيواء والاحتياج وعدم اليقين. وحين لا يعود هناك بيت للعودة إليه، يصبح النزوح مأزقًا مستمرًا يتطلب استجابة أكثر ثباتًا، وخطابًا أكثر مسؤولية، وتعاملًا يضع الاحتياجات الإنسانية في صلب الأولويات.