...

Anahon

Collapsed building in Tripoli, Lebanon

هندسة الانهيار في طرابلس: تفكيك الثالوث الهيكلي ومصفوفة المحاسبة المؤجلة

الانهيارات المتكرّرة لأبنية طرابلس ليست كوارث طبيعية ولا قدَراً محتوماً، بل نتيجة مصمّمة بدقّة لسياساتٍ عامة مشلولة وثالوثٍ هيكليّ ممتدّ لعقود. انطلاقاً من فاجعة باب التبانة في شباط 2026 التي أودت بحياة 15 شخصاً، يفكّك هذا التحقيق ذلك الثالوث ومصفوفة المحاسبة المؤجّلة التي تُبقي المدينة في دائرة الخطر.

إعداد المحامي خالد وليد الصباغ

أخصائي في الدراسات الاستاراتيجية والسياسات العامة

7 حزيران 2026

الانهيارات المتكررة للأبنية السكنية في مدينة طرابلس ليست “كوارث طبيعية مفاجئة” ولا قدراً محتوماً لا فكاك منه. إنها النتيجة الحتمية والمصممة بدقة لسياسات عامة مشلولة وثالوث هيكلي ممتد لعقود. هذا ما أكدته الفاجعة الأخيرة في فبراير 2026 بانهيار مبنى في منطقة باب التبانة، والذي أسفر عن مقتل 15 مواطناً ، ليعيد إلى الواجهة ملفاً مثقلاً بالوعود الرسمية المبتورة وجدار السموم البيروقراطي الذي يمنع المدينة من التنفس.

في المقابل، يغرق الشارع الطرابلسي في حالة من “العجز المكتسب”، حيث تحول الإحباط المزمن إلى قبول سلبي بالخطر. إن تفكيك هذه الحالة يتطلب مواجهة الحقائق الاستراتيجية، وفهم آليات التعطيل المشترك بين السلطة المركزية والإدارة المحلية، وتحويل الأرقام والشهادات الصادمة إلى أدوات قانونية وحقوقية لفرض المحاسبة وامتلاك زمام المبادرة المدنية.

أولاً: الأبعاد الهيكلية المتشابكة للأزمة (الثالوث المشلول)

لا يمكن عزل انهيار السقف الأسمنتي لأي مبنى في طرابلس عن الانهيار الأسمنتي والتشريعي للدولة اللبنانية. الأزمة تتغذى على ثلاثة محركات متشابكة تعيد إنتاج الخطر يومياً:

فخ قانون الإيجارات القديمة والتدهور الممنهج

· فرضت منظومة تنظيم الإيجارات التاريخية (“الإيجارات القديمة”) جموداً شبه كامل على عائدات الملاك قبل يوليو 1992. هذا الجمود أعدم الحافز الاقتصادي والقدرة المالية لديهم لإجراء أي صيانة هيكلية للأبنية.

· تعطل مسار الإصلاح الذي طرحه قانون الإيجارات لعام 2014 نتيجة الطعون الدستورية والتأخر الإداري.

· يكمن الاختناق الأكبر في عجز الدولة (أو عدم رغبتها) في تمويل “صندوق دعم المستأجرين”. هذا التعطيل جعل المالك يتقاضى “فرنجات” لا قيمة لها والمستأجر عاجزاً عن المساهمة، مما دفع الطرفين لتأجيل ترميم الأساسات خوفاً من الإخلاء أو لعدم القدرة على تحصيل الكلفة.

وهم الحد الأدنى للأجور وسجن السكن غير الآمن

· ظل الحد الأدنى للأجور راكداً لسنوات عند 675 ألف ليرة لبنانية. ومع حدوث التضخم المفرط بعد عام 2019، سُحقت المداخيل الحقيقية للأسر.

· حتى مع التعديلات الاسمية المتأخرة التي رفعت الحد الأدنى إلى 9 ملايين ليرة في 2023، ثم 18 مليوناً في 2024، وصولاً إلى 28 مليون ليرة في 2025 ، فإن هذه الأرقام بقيت مجرد حبر على ورق أمام التضخم الجامح.

· النتيجة المباشرة هي وقوع العائلات الطرابلسية في فخ “السكن غير الآمن القسري”. المواطن اليوم عاجز تماماً عن تحمل كلفة الانتقال إلى سكن بديل أو المساهمة في تدعيم أسقف منزله المتآكلة.

صدمة التكاليف الدولارية والفساد الزبائني للتراخيص

· أدى انهيار العملة إلى دولرة كاملة لمواد البناء (الحديد، الأسمنت، وأجور المهندسين). ترافق ذلك مع تآكل القدرة الرقابية والفنية للدولة.

· الأخطر من ذلك هو الإرث الزبائني والانتخابي؛ حيث شهدت طرابلس عبر المواسم الانتخابية المتعاقبة تواطؤاً سياسياً سمح للمواطنين بزيادة طوابق غير قانونية أعلى مبانٍ متهالكة في الأصل لإرضاء المحازبين. هكذا تحولت أبنية مصممة لتحمل طابقين أو ثلاثة إلى أبنية من ستة طوابق، مما وضع أساساتها تحت إجهاد إنشائي قاتل.

ثانياً: خنق التمويل البلدي وبيروقراطية “الدولة العميقة”

تتحمل البلدية مسؤولية مباشرة في الرقابة، لكن القراءة المعمقة تكشف عن آلية خنق مالي وإداري تمارسها السلطة المركزية تحول دون أي حل مستدام:

شهادة من الداخل: في مقابلة مع المهندس مصطفى فخري الدين، رئيس اللجنة الهندسية في بلدية طرابلس، عبر بودكاست “حكي تغيير”، أكد بوضوح:

“نحن هلا عم يجينا مصاري منيحة على البلدية بس ما فينا نتصرفها.. كلياته بدك ترجع للمركزية الإدارية. أي مشروع بدك تقدم فيه فكرة بدها تلف اللفة الطويلة العريضة بالوزارات والمحافظة، بكون الصيف إجا الشتاء والشتاء إجا الصيف.”

تتجلى هذه الأزمة في قنوات التمويل والرقابة عبر النقاط التالية:

· عائدات الصندوق البلدي المستقل (وهم الأرقام الميتة): تعتمد البلديات هيكلياً على تحويلات الدولة المركزية. تظهر المراسيم الرسمية تخصيص مبالغ اسمية ضخمة لطرابلس (حوالي 28.36 مليار ليرة لعام 2019، و26.26 مليار ليرة لعام 2020). لكن هذه الأموال تُصرف بتأخير يمتد لسنوات، لتصل إلى صندوق البلدية وهي فاقدة لأكثر من 95% من قيمتها الشرائية الفنية بسبب انهيار الصرف.

· أزمة سجلات النفوس البالية: يتم توزيع أموال الصندوق البلدي بناءً على سجلات الأحوال الشخصية المدنية القديمة، وليس بناءً على العبء السكاني الفعلي الفعلي في طرابلس، مما يحرم المدينة من الموارد المتكافئة مع حجم أزمتها الحقيقي.

· تعطيل اللامركزية الممنهج: تمتلك طرابلس كافة المقومات الاقتصادية للتمويل الذاتي (مرفأ، مطار رينيه معوض، معرض رشيد كرامي الدولي، قطاع سكك حديد معطل). إلا أن السلطة المركزية تستنزف هذه الإيرادات وتمنع إقرار اللامركزية الإدارية والمالية لإبقاء المدينة تابعة وخاضعة لسياسة تقطير المساعدات.

ثالثاً: مصفوفة المحاسبة (تفكيك الوعود البلدية بالأرقام)

بهدف تمكين فرق الاستقصاء والمدافعة المدنية من مراقبة أداء المجلس البلدي الحالي واللجنة الهندسية، نضع أمام الرأي العام مصفوفة تقاطع المؤشرات الرسمية مع تصريحات وتعهدات رئيس اللجنة الهندسية المهندس مصطفى فخري الدين:

مصفوفة تضارب وتطور أعداد المباني المهددة بالانهيار

توضح مصفوفة البيانات التالية الفجوة الهائلة بين التقييمات الشاملة وحجم التدخل العملياتي الفعلي:

التاريخ والسياق المصدر والجهة الرقم المعلن طبيعة التصنيف ومحرك التضارب البنيوي
مسح عام 2022 بلدية طرابلس (وثقته منظمة العفو الدولية) 236 مبنى يشمل 139 مبنى أسمنتي حديث و97 مبنى تراثياً مهدداً.
أغسطس 2023 (مقابلة) رئيس المجلس البلدي لطرابلس 800 – 1000 مبنى تصنيف موسع شمل الشقوق الناتجة عن زلازل فبراير 2023.
أغسطس 2023 (تحديد خطر) بلدية طرابلس (منظمة العفو) 20 – 25 مبنى يمثل التصنيف الأعلى خطورة: مبانٍ مأهولة على وشك الانهيار الفوري.
سبتمبر 2023 (تصريح صحفي) عضو مجلس بلدي لجريدة L’Orient Today ~700 مبنى تقدير شفهي تقريبي غير نهائي ومحصور بنطاق المدينة الضيق.
فبراير 2026 (جرس الإنذار) م. مصطفى فخري الدين (بودكاست حكي تغيير) 800 مبنى ممسوح الواقع الأخطر: أقر بوجود 700 مبنى بحاجة لتدعيم و36 مبنى مأهولاً تستوجب الهدم الفوري.
فبراير 2026 (خطة الحكومة) قرار مجلس الوزراء ووكالة رويترز 114 مبنى المستهدف الرسمي للإخلاء الفوري خلال شهر كأولوية قصوى قصيرة المدى.
فبراير 2026 (تحديث التنفيذ) بيان حكومي (جريدة النهار) 16 مبنى ما تم إخلاؤه فعلياً في المرحلة الأولى (شمل 161 عائلة).

الفجوة المالية وتصريح “الصفر دولار”

صرح رئيس اللجنة الهندسية بوضوح صادم:

“العالم كلياتها متوقعة إنه جايه على البلدية مصاري ليدعموا الأبنية.. ما عندي 0 دولار للتدعيم”.

هذا التصريح يضع علامة استفهام كبرى حول أوجه إنفاق أي تبرعات أو صناديق مشتركة، ويؤسس للأرضية القانونية لمحاسبة الدولة المركزية على جريمة الامتناع عن التمويل.

إخفاقات المشاريع الإدارية والبنية التحتية

تكشف شهادة المسؤول البلدي عن سلسلة من الإخفاقات البنيوية التي تعكس غياب الحوكمة الرشيدة:

· ضياع مشروع الإشارات الضوئية ($1.1 مليون): تم تصميم وتجهيز مشروع لتشغيل 11 إشارة ضوئية رئيسية في طرابلس. وبسبب إصرار المتعهد على الدفع عبر شيك مصرفي لحجز البضائع من إيطاليا، تجمعت الأموال في المصارف وتبخرت قيمتها مع بدء الأزمة، ليضيع المشروع بالكامل.

· ملف تزفيت الطرق والبيروقراطية القاتلة: حصلت البلدية على موافقات منذ نوفمبر 2023 لتزفيت وتغطية 70% إلى 80% من شوارع المدينة بالتعاون مع وزارة الأشغال وحصص النواب. تأجل التنفيذ إلى أبريل بسبب الشتاء، ومع اندلاع الأعمال الحربية وتغير ميزانيات الوزارات، تبخرت الاعتمادات وتحولت الشوارع إلى حفر متسعة.

· عجز الكادر الرقابي (شرطة البلدية): تحتاج مدينة طرابلس جغرافياً وديموغرافياً إلى 600 شرطي بلدي لضبط المخالفات وتحرير الأرصفة. والبلدية كانت تعمل بـ 55 شرطياً فقط. ورغم تزويدها مؤخراً بـ 100 شرطي جديد (انخفضوا إلى 90)، فإن هذا الكادر لا يزال عاجزاً عن تطبيق قرارات إزالة تعديات المقاهي وبسطات نهر أبو علي.

رابعاً: من العجز إلى المواطنة الحقوقية (خارطة الطريق لفرض الإصلاح)

لإسقاط سردية العجز وتحويل طرابلس من مدينة تنتظر الكارثة إلى مجتمع ينتزع حقوقه الإنشائية والحياتية، نطالب بتبني وتطبيق خارطة الطريق القائمة على مقاربة حقوق الإنسان (HRBA):

الإعلان الفوري عن “السجل الموحد للأبنية المهددة”

· المطلب الجغرافي الحقوقي: التعاون مع اللجنة الهندسية والمجلس البلدي بنشر “منصة رقمية جغرافية (GIS)” علنية ومحدثة أسبوعياً.

· محتوى المنصة: يجب أن يتضمن السجل تاريخ الكشف الهندسي، درجة الخطورة (أ، ب، ج)، قرار اللجنة (ترميم/تدعيم/هدم)، وهوية الجهات الهندسية المسؤولة (الخط الساخن، نقابة المهندسين، خطيب وعلمي) لقطع الطريق على الاستنسابية والمحسوبيات السياسية في تحديد الأولويات.

بروتوكول “الإخلاء التعويضي المشروط” (Evacuation with Remedy)

· رفض التهجير القسري: منع إخلاء أي عائلة عبر الإنذارات الجافة دون تأمين البديل الفوري.

· ضمانة بدل الإيواء: تفعيل آلية دفع شفافة ومستدامة لبدل الإيواء البالغ 360 دولاراً شهرياً المقدم عبر الهيئة العليا للإغاثة. يجب مراجعة هذا المبلغ ليتناسب مع أسعار السوق السكنية الحالية وتدفقات النزوح الناتجة عن الحرب، لضمان عدم تحول السلامة الإنشائية إلى سبب للتشرد الممنهج.

الصندوق الوطني للترميم والتدعيم (خارج الوصاية المركزية)

· التمويل المباشر: الضغط التشريعي عبر نواب طرابلس لإنشاء صندوق خاص بترميم أبنية الشمال.

· آلية التمويل: يتم تمويله مباشرة من إيرادات منشآت طرابلس الحيوية (المرفأ، المعرض) دون مرورها بقنوات الصندوق البلدي المستقل المتهالكة. يتم إدارته عبر مجلس أمناء تشارك فيه نقابة المهندسين في الشمال والجمعيات الدولية المانحة (مثل UNDP وWFP) والشركات الخاصة لضمان الشفافية المطلقة ومنع الهدر الزبائني.

الإشراف الهندسي الإلزامي وتجريم “التغطية التجميلية”

· منع المقاولات العشوائية: تجريم عمليات الصيانة السطحية (الطلاء الخارجي الأسمنتي الخادع) التي يقوم بها مقاولون عشوائيون لإخفاء تآكل حديد التسليح (“سرطان الأسمنت”).

· فرض المعايير: إلزام ملاك العقارات والبلدية بعدم تنفيذ أي أعمال تدعيم إلا بمخططات موقعة ومثبتة من مهندس مدني إنشائي مجاز من نقابة المهندسين، مع تفعيل دور الرقابة القضائية والنيابة العامة التمييزية لمحاسبة أي تهاون فني يهدد أرواح السكان.

توصيات الكاتب: إن هذه الحقائق والبيانات الموثقة هي الأساس التشريعي والفني لبدء حملات المساءلة القانونية. إن الصمت اليوم ليس عجزاً، بل هو تواطؤ غير مباشر في الجريمة القادمة. إن إنقاذ أرواح أهل طرابلس يبدأ من إسقاط سردية العجز، وفرض لغة الأرقام والمحاسبة الصارمة على كل مسؤول يتقاعس عن أداء واجبه الحقوقي والدستوري.

مواضيع ذات صلة من أنا هون: لبنان 2026: ما وراء أرقام النزوح