...

Anahon

هندسة الانعتاق من الروتين القاتل: كيف ينتزع اتحاد بلديات الفيحاء صلاحياته؟

اتحاد بلديات الفيحاء: كيف تحاول طرابلس الخروج من الروتين القاتل؟

إعداد: المحامي خالد وليد الصبّاغ

أخصائي في الدراسات الاستراتيجية والسياسات العامة

15 حزيران 2026

لا تبدو أزمة اتحاد بلديات الفيحاء مجرد أزمة خدمات محلية أو نقص في الإمكانات. ما تكشفه تجربة الاتحاد، الذي يضم طرابلس والميناء والبداوي والقلمون، هو صراع أوسع بين مدينة تحاول إدارة شؤونها، ومنظومة مركزية تعرقل قدرتها على الحركة.

فمنذ تأسيس اتحاد بلديات الفيحاء عام 1982 كرافعة إنمائية للشمال اللبناني، وحتى واقع عام 2026، اتسعت الفجوة بين الفكرة الأصلية والواقع الحالي. الاتحاد وُجد ليكون أداة تنمية وتخطيط، لكنه وجد نفسه أمام تراكمات مالية وإدارية وبشرية جعلت العمل البلدي يبدأ، كما يصف التقرير، من “تحت الصفر”.

من “تحت الصفر” إلى محاولة النهوض

لا تبدأ الأزمة من غياب المشاريع فقط، بل من الإرث الثقيل الذي تراكم منذ الأزمة الاقتصادية عام 2019. ديون، آليات متهالكة، ضعف في الكادر البشري، وإدارة محاصرة بإجراءات بطيئة. لذلك، لم يعد المطلوب وضع خطط جديدة فحسب، بل تنظيف آثار الماضي أولاً قبل الوصول حتى إلى نقطة البداية.

أحد الأمثلة التي يعرضها التقرير هو فوج الإطفاء التابع للاتحاد. فقد نجح الاتحاد بحسب تصريح رئيسه، عبر شراكات أكاديمية ومبادرات محلية، في رفع عدد الآليات الصالحة للخدمة من 4 آليات إلى 13 آلية. كما تم تأمين محرك متخصص من إيطاليا بتمويل مباشر وتنسيق مرن مع نقابة المهندسين، بعيداً عن المسارات الرسمية البطيئة.

هذا النوع من العمل لا يعالج كل الأزمة، لكنه يوضح فكرة أساسية: حين تتعطل القنوات التقليدية، تبحث الإدارة المحلية عن طرق بديلة كي تستمر.

قانون جديد يفتح هامش حركة

يشير التقرير إلى القانون رقم 21 الصادر في 17 تموز 2025، بوصفه محطة مهمة في تعديل العلاقة بين البلديات والرقابة المركزية. فبعد سنوات طويلة من القيود التي فرضها المرسوم الاشتراعي رقم 118/1977، منح القانون الجديد المجالس البلدية واتحادات البلديات قدرة مالية أوسع للتحرك.

رئيس السلطة التنفيذية أو رئيس الاتحاد: أصبح بإمكانه عقد نفقات تصل إلى 100 مليون ليرة لبنانية من دون تصديق خارجي مسبق، ما يسمح بالصيانة العاجلة وتأمين المواد التشغيلية الأساسية.

مجلس الاتحاد: أصبح بإمكانه إقرار نفقات تصل إلى مليار ليرة لبنانية، وهو ما يفتح الباب أمام مشاريع أكثر أهمية، مثل البنى التحتية الطارئة وشبكات الصرف الصحي.

في بلد يعاني من التضخم وتراجع قيمة العملة، لم تعد هذه الأرقام ترفاً إدارياً، بل شرطاً لاستمرار المرفق العام.

الالتفاف الإيجابي على الشلل المركزي

حين تتحول الإدارة المركزية إلى عائق أمام التنمية، يصبح البحث عن مسارات بديلة ضرورة عملية. لذلك يطرح التقرير ما يسميه “الالتفاف الإيجابي الممنهج”، أي تمرير التمويل والتنفيذ عبر قنوات أكثر مرونة، مثل المنظمات الدولية والمجتمع المدني والقطاع الخاص.

مشروع “الفيحاء تفرز”: منفذ بالتعاون مع منظمات إسبانية، حيث يتم دفع أجور العمال وإدارة التدفقات المالية مباشرة من المانح إلى الميدان. الهدف هنا ليس تجاوز القانون، بل تجاوز البطء الذي يمنع التنفيذ.

جمعية “العمل البلدي”: يشير التقرير إلى دورها في مواكبة الاتحاد وتطوير الأداء التنفيذي.

نموذج “أركي” للتمويل التكافلي: قائم على التنسيق المباشر مع الاغتراب والقطاع الخاص لتمويل مشاريع البنى التحتية.

هذه النماذج تحاول إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة البلدية، بعد سنوات من التراجع والوعود غير المنجزة.

صندوق طوارئ طرابلس: حوكمة مختلفة في أزمة المباني

مع أزمة انهيار المباني في مطلع عام 2026، والتي هددت أكثر من 105 مبانٍ بالإخلاء الفوري، ظهر صندوق دعم المدينة أو صندوق طوارئ طرابلس كآلية استجابة مختلفة.

بحسب التقرير، لا يمثل هذا الصندوق مجرد مبادرة إغاثية مؤقتة، بل نموذجاً لاختبار أدوات حوكمة أكثر صرامة وشفافية. فهو يعتمد آلية “التقييم الأعمى”، حيث تُجرى المسوح الهندسية للمباني من دون كشف هوية المالكين للمهندسين الفاحصين، بهدف تقليل المحسوبيات وضمان الحياد.

مدة الصندوق: حُددت ولايته بستة أشهر فقط، على أن يتحول بعدها إلى منظمة غير حكومية.

الرقابة المالية: وُضع سقف للنفقات الإدارية لا يتجاوز 8%. أما الرقابة المالية، فتتطلب توقيعين منفصلين من لجنتين مستقلتين: لجنة الحوكمة ولجنة التمويل.

هذه الآليات تهدف إلى بناء ثقة المانحين المحليين والدوليين، وضمان أن تصل الأموال إلى المكان الصحيح.

أزمة النفايات: عندما لا تكفي الخطة

في ملف النفايات الصلبة، تظهر الأزمة بشكل مختلف. فالعقد التشغيلي الموقع مع شركة “لافاجيت” يعود إلى عام 1998، أي أنه عقد قديم لم يعد قادراً على مواكبة النمو السكاني الذي قارب 60%.

لكن المشكلة لا تقف عند العقد أو التمويل. بحسب التقرير، يواجه الاتحاد ما يسميه “البلطجة الاجتماعية”، أي تعطيل العمل الميداني من قبل مجموعات خارجة عن القانون تستخدم التهديد والاعتداء.

ويعرض التقرير مثالاً واضحاً: عجز الاتحاد عن نشر أكثر من 25 مستوعباً للنفايات من أصل 42 مستوعباً مخصصاً لمنطقة مستهدفة، بسبب التهديدات والاعتداءات الميدانية.

هنا تصبح الأزمة بيئية وأمنية في الوقت نفسه. فحين يشعر المواطن الملتزم بأن الدولة لا تحمي النظام، قد يبدأ بتقليد سلوك من يخالفونه. لذلك يعتبر التقرير أن فرض الحماية الأمنية الشرعية شرط أساسي قبل تنفيذ أي خطة بيئية أو إدارية.

خارطة طريق للنهوض

يقترح التقرير ثلاث خطوات عملية للخروج من حالة الشلل.

أولاً، إنشاء مكتب متخصص لعلاقات المانحين داخل الاتحاد. يتولى هذا المكتب إعداد المشاريع وفق معايير واضحة، والتواصل المباشر مع الصناديق التنموية، بعيداً عن القنوات المركزية المعطلة.

ثانياً، تفعيل الحوكمة الرقمية الشاملة. ويشمل ذلك أتمتة المعاملات الإدارية، ونشر الموازنات، وقرارات التلزيم، ومحاضر الجلسات على منصات رقمية علنية. فالشفافية هنا ليست شعاراً، بل وسيلة لاستعادة ثقة المواطنين.

ثالثاً، اعتماد شراكة رباعية تجمع القطاع العام، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمجموعات الأهلية. هذه الصيغة يمكن أن تساعد في تشغيل المرافق العامة واسترداد كلفة الخدمات، شرط أن تترافق مع حماية أمنية واضحة للأصول البلدية، وخصوصاً مستوعبات النفايات.

هل تكون الفيحاء نموذجاً؟

لا يقدم التقرير اتحاد بلديات الفيحاء كنموذج مكتمل أو مثالي، بل كتجربة تحاول العمل داخل نظام معطّل. قيمة هذه التجربة أنها لا تنتظر الحلول المركزية فقط، بل تبحث عن أدوات محلية، ومرنة، وقابلة للتنفيذ.

السؤال الأساسي لم يعد: هل تستطيع طرابلس النهوض؟ بل أصبح: هل يمكن لنموذج الفيحاء، عبر الصناديق المستقلة واللامركزية العملية والشراكات المباشرة، أن يشكل مدخلاً لإعادة التفكير في إدارة الدولة نفسها؟

بين البيروقراطية والمدينة، تحاول الفيحاء انتزاع هامش للفعل. وقد لا يكون هذا الهامش كافياً بعد، لكنه يفتح باباً ضرورياً للخروج من الروتين القاتل.