...

Anahon

Collapsed building in Tripoli, Lebanon

السرطان الأسمنتي في طرابلس: لماذا تنهار الأبنية

هندسة الانهيار في طرابلس: أزمة أبنية أم أزمة دولة؟

إعداد: المحامي خالد وليد الصبّاغ

أخصائي في الدراسات الاستراتيجية والسياسات العامة

7 حزيران 2026

لم تعد انهيارات الأبنية السكنية في طرابلس حوادث معزولة أو كوارث مفاجئة يمكن التعامل معها كأخبار عابرة. ما يحدث في المدينة هو نتيجة تراكم طويل لأزمة سكنية، ومالية، وإدارية، وهندسية، تُركت لسنوات من دون معالجة جدية.

الفاجعة الأخيرة في منطقة باب التبانة، في شباط 2026، أعادت الملف إلى الواجهة بقوة. فبحسب الورقة، أسفر الانهيار عن سقوط ما يقارب 14 ضحية مباشرة، ضمن سياق أزمة إنشائية أوسع حصدت 16 مواطناً في انهيارات متزامنة شهدتها المدينة مطلع العام. لكن الأرقام هنا لا تكشف حجم المأساة وحدها، بل تكشف أيضاً حجم العجز الرسمي أمام خطر معروف ومُعلن.

ثالوث الأزمة: قانون، فقر، وكلفة

لا يمكن فهم انهيار أي مبنى في طرابلس من زاوية هندسية فقط. فالسقف الذي ينهار فوق سكانه هو في الحقيقة نتيجة ثلاثة عوامل متشابكة.

العامل الأول هو قانون الإيجارات القديمة. هذا القانون خلق جموداً طويلاً بين المالك والمستأجر. فالمالك لا يملك الحافز أو القدرة المالية الكافية للترميم، والمستأجر يخشى الإخلاء أو تحمّل كلفة لا يقدر عليها. وبين الطرفين، بقيت أبنية كثيرة بلا صيانة حقيقية، وتحولت مع الوقت إلى مساكن خطرة.

العامل الثاني هو تراجع القدرة المعيشية. حتى بعد رفع الحد الأدنى للأجور إلى 28 مليون ليرة عام 2025، بقيت هذه الأرقام عاجزة أمام التضخم وارتفاع كلفة المعيشة. والنتيجة أن كثيراً من العائلات لا تستطيع الانتقال إلى سكن بديل، ولا تستطيع في الوقت نفسه تدعيم منازلها.

أما العامل الثالث فهو ارتفاع كلفة البناء والترميم بعد انهيار العملة. فقد أصبحت مواد البناء وأجور المهندسين مرتبطة بالدولار، في وقت توسعت فيه ممارسات مخالفة، مثل إضافة طوابق غير قانونية خلال مواسم انتخابية أو بفعل الزبائنية السياسية. هذه الإضافات وضعت أبنية متهالكة أصلاً تحت ضغط إنشائي أكبر.

بلدية بلا أدوات

في مقابلة ضمن بودكاست “حكي تغيير”، شرح المهندس مصطفى فخري الدين، رئيس اللجنة الهندسية في بلدية طرابلس، جانباً أساسياً من المشكلة: البلدية لا تملك حرية الحركة ولا التمويل الكافي للتدخل السريع.

أي مشروع يحتاج إلى موافقات تمر عبر الوزارات والمركزية الإدارية. هذه الدورة البطيئة تعني أن الخطر قد يكون معروفاً، لكن الاستجابة تبقى مؤجلة. والأسوأ أن التحويلات المالية التي تعتمد عليها البلديات تصل غالباً بعد سنوات، فتكون قد فقدت معظم قيمتها الشرائية.

بهذا المعنى، لا تواجه طرابلس فقط أبنية متصدعة، بل تواجه أيضاً نظاماً إدارياً يعطّل قدرتها على حماية سكانها. فاللامركزية المالية غائبة، والموارد الذاتية للمدينة لا تتحول إلى قدرة فعلية على التدخل.

أرقام كثيرة وتدخل قليل

تكشف الورقة عن فجوة واضحة بين حجم الخطر وحجم التدخل. فالمشكلة ليست غياب التقييمات أو التقارير، بل غياب القدرة التنفيذية. وقد عبّر رئيس اللجنة الهندسية عن ذلك بعبارة صادمة:

“ما عندي 0 دولار للتدعيم”.

هذه العبارة تختصر حالة الشلل. هناك أبنية تحتاج إلى تدعيم، وأخرى إلى إخلاء أو هدم، لكن الكادر الرقابي والمالي لا يواكب حجم الأزمة. فالرقابة تعمل بإمكانات محدودة، وبعدد غير كافٍ من العناصر، وبتمويل لا يسمح بالانتقال من التشخيص إلى المعالجة.

صندوق دعم طرابلس: محاولة خارج البيروقراطية

أمام هذا العجز، برز صندوق دعم طرابلس كصيغة بديلة للتدخل. الصندوق، بحسب الموقع المستحدث من قبل البلدية لهذا الغرض، تمكن حتى حزيران 2026 من إخلاء 39 مبنى، وهو رقم يتجاوز مستوى التدخل الحكومي المباشر.

لكن هذا النموذج، رغم أهميته، لا يستطيع وحده حمل الأزمة. فقد جمع الصندوق 291,797 دولاراً فقط من أصل هدف يبلغ 3,000,000 دولار، أي ما يوازي 9.7% من المبلغ المطلوب. هذه الفجوة التمويلية تظهر أن المبادرات المحلية قادرة على فتح مسار بديل، لكنها تحتاج إلى دعم أوسع حتى تتحول إلى حل مستدام.

ويتميّز الصندوق، بحسب الورقة، بهيكل حوكمة واضح. فهو يخضع لإشراف مباشر من المهندس شوقي فتفت، رئيس الصندوق، والدكتور حسان ضناوي، مستشار الحوكمة، وتديره لجنة حوكمة برئاسة خالد كبارة، ولجنة تمويل برئاسة المهندس بلال حسين.

كما يعتمد الصندوق سقفاً للنفقات الإدارية لا يتجاوز 8%، ومسار تفويض من ثماني خطوات يتطلب توقيعين، وعروض أسعار مقارنة، وإثبات تسليم ميداني، لضمان وصول التبرعات إلى وجهتها الصحيحة.

من الإخلاء العشوائي إلى الحماية الحقوقية

لا يكفي إخلاء السكان من مبنى خطر إذا كان الإخلاء سيقودهم إلى التشرد. لذلك تقترح الورقة الانتقال من منطق الطوارئ العشوائية إلى منطق الحماية الحقوقية.

أولاً، هناك حاجة إلى منصة رقمية جغرافية GIS تنشر سجلاً موحداً وعلنياً للأبنية المهددة. نشر هذه المعلومات يحدّ من الاستنسابية، ويجعل الخطر واضحاً أمام السكان والجهات المعنية.

ثانياً، تطرح الورقة فكرة بروتوكول إخلاء تعويضي رديف مشروط. ويقوم هذا التصور على تحديد مبلغ 360 دولاراً شهرياً كبدل سكن مؤقت طارئ، لا كالتزام مباشر على المبادرات الأهلية، بل كمستهدف بروتوكولي تضغط الأطر الحقوقية والبلدية لتحويله إلى التزام تموله خطوط ائتمان دولية، وهيئات مانحة، والصندوق البلدي المستقل.

ثالثاً، تشدد الورقة على الإشراف الهندسي الإلزامي. فالمطلوب وقف “التغطية التجميلية” التي تخفي الخطر الحقيقي داخل الأبنية، وإلزام المالكين بإشراف هندسي مجاز من النقابة قبل أي تدخل أو ترميم.

أزمة لا تُحل بمبادرة واحدة

تظهر تجربة صندوق دعم طرابلس أن المدينة قادرة على إنتاج نماذج حوكمة أكثر شفافية وفعالية من القنوات الرسمية البطيئة. لكنها تُظهر أيضاً أن حجم الأزمة أكبر من قدرة أي مبادرة منفردة.

طرابلس لا تحتاج إلى وعود جديدة فقط، بل إلى مسار متكامل يجمع الدولة، والبلدية، والهيئات المانحة، والمجتمع المحلي. فالأبنية المهددة ليست مجرد مشكلة عمرانية، بل اختبار مباشر لمعنى الحق في السكن الآمن، والحق في الحياة، والحق في مدينة لا يُترك سكانها تحت سقوف قابلة للانهيار.

في النهاية، لا يمكن فصل الخرسانة المتصدعة عن السياسات المتصدعة. وما لم تتحول الأرقام والتقارير إلى قرارات وتمويل ومحاسبة، ستبقى المدينة عالقة بين خطر معروف واستجابة مؤجلة.

مصادر الورقة الأصلية

استندت الورقة إلى بيانات صندوق دعم طرابلس، ومقابلة بودكاست “حكي تغيير” مع المهندس مصطفى فخري الدين، وتقارير منظمة العفو الدولية، وقرارات مجلس الوزراء اللبناني، ووثائق حوكمة صندوق دعم طرابلس، إضافة إلى تصريحات رسمية ومقابلات صحفية منشورة.